ابن خلدون

418

تاريخ ابن خلدون

الشأم كتابا مطولا ينذرهم فيه أن يستمدوا عسكر السلطان أو يستجيشوه ويخادعهم بلين القول وملاطفته وتقدم قطلوشاه وجوبان إلى الشأم بعساكر التتر يقال في تسعين ألفا أو يزيدون وبلغ الخبر إلى السلطان فقدم العساكر من مصر وتقدم بيبرس كافل المملكة إلى الشأم والسلطان وسلار على اثره ومعهم الخليفة أبو الربيع وساروا في التعبية ودخل بيبرس دمشق وكان النائب بحلب قراسنقر المنصوري وقد اجتمع إليه كيبغا العادل نائب حماة وأسد الدين كرجى نائب طرابلس بمن معهم من العساكر فأغار التتر على القرينين وبها أحياء من التركمان كانوا أجفلوا أمامهم من الفرات فاستاقوا أحياءهم بما فيها واتبعهم العساكر من حلب فأوقعوا بهم واستخلصوا أحياء التركمان من أيديهم وزحف قطلوشاه وجوبان بجموعهما إلى دمشق يظنان ان السلطان لم يخرج من مصر والعساكر والمسلمون مقيمون بمرج الصفر وهو المسمى بشقحب مع ركن الدين بيبرس ونائب دمشق أقوش الافرم ينتظرون وصول السلطان فارتابوا لزحف التتر وتأخروا عن مراكزهم قليلا وارتاعت الرعايا من تأخرهم فأجفلوا إلى نواحي مصر وبينما هم كذلك إذ وصل السلطان في عساكره وجموعه غرة رمضان من السنة فرتب مصافه وخرج لقصدهم فالتقى الجمعان بمرج الصفر وحمل التتر على ميمنة السلطان فثبت الله أقدامهم وصابروهم إلى أن غشيهم الليل واستشهد جماعة في الجولة ثم انهزم التتر ولجؤوا إلى الجبل يعتصمون به واتبعهم السلطان فأحاط بالجبل إلى أن أظل الصباح وشعر المسلمون باستماتتهم فأفرجوا لهم من بعض الجوانب وتسلل معظمهم مع قطلوشاه وجوبان وحملت العساكر الشامية على من بقي منهم فاستلحموهم وأبادوهم واتبعت الخيول آثار المنهزمين وقد اعترضتهم الأوحال بما كان السلطان قدم إلى أهل الأنهار بين أيديهم فبثقوها ووحلت خيولهم فيها فاستوعبوهم قتلا وأسرا وكتب السلطان إلى قازان بما يجدد عليه الحسرة ويملا قلبه رعبا وبعث البشائر إلى مصر ثم دخل إلى دمشق وأقام بها عيد الفطر وخرج لثالثه منها إلى مصر فدخلها آخر شوال في موكب حفل ومشهد عظيم وقر الاسلام بنصره وتيمن بنقيب نوابه وأنشده الشعراء في ذلك وفي هذه السنة توفى كيبغا العادل نائب حماة وهو الذي كان ولى الملك بمصر كما تقدم ذكره فدفن بدمشق وتوفى أيضا بليان الجوكندار نائب حمص وتوفى أيضا القاضي تقى الدين بن دقيق العيد بمصر لولايته ست سنين بها وولى مكانه بدر الدين بن جماعة وهلك قازان ملك التتر يقال أصابته حمى حادة للهزيمة التي بلغته فهلك وولى أخوه خربندا وفيها أفرج السلطان عن رميثة وحميصة ولدى الشريف أبى نمى وولاهما بدلا من أخويهما عطيفة وأبى الغيث والله تعالى أعلم